الأربعاء، 10 يونيو 2026

رسالة الدولة العثمانية إلى أهالي نجد قبل حملة الأحساء 1871

قامت الدولة العثمانية بقيادة والي بغداد مدحت باشا عام ١٨٧١/١٢٨٨بحملة عسكرية على منطقة الأحساء شرقي شبه الجزيرة العربية، وذلك بغرض تثبيت سلطة الإمام عبد الله بن فيصل آل سعود قائمقام نجد التابع للدولة في مواجهة أخيه سعود، إلا أنها نجحت فعليًا في القضاء على حكم آل سعود في المنطقة وتأسيس قضاء قطر التابع للدولة.  وقد وصفت جريدة الزوراء العراقية استقبال أهالي نجد للمناشير التي وزعتها الدولة عليهم - ويقصد به هذا المنشور وغيره – بأنها لاقت فرحًا وسرورًا لدى الأهالي؛ فنشروا الأعلام وضربوا المدافع وأظهروا الفرح والسرور. وقد حفظ لنا الأرشيف العثماني صورة عن أحد تلك المناشير، وهي قيمة في التأريخ للحادثة التاريخية، التي يحوي الأرشيف العثماني مجموعة كبيرة من الوثائق التي تخصها.


وقد جاء نص المنشور على النحو الآتي:


إعلان

يحتوي على الخطاب لأهالي نجد

 

أيها الناس والعشاير الساكنون في الحسا والقطيف وجهات نجد كافة، تحيطون علمًا هو أنه مما هو معلوم لدى جميعكم أن قطعة[1] نجد وملحقاتها وكافة المحال الداخلة فيها هي من الممالك المقدسة الراجعة للدولة العلية العثمانية، مثل سائر الممالك المقدسة كالعراق واليمن ومصر وتونس وطرابلس، وإن حماية هذه الممالك والأراضي وصيانة الناس الساكنين فيها داخلة تحت حماية دولة حامي ذرى الإسلام، حضرة سلطان البرين والبحرين وخادم الحرمين الشريفين، ظل الله على عباده وخليفته على خليقته، أفندنيا السلطان عبد العزيز خان نصره الرحمن. وكما سمعتم من آبائكم وأجدادكم أن العنايات الجليلة التي بذلتها حضرات السلاطين العثمانية السالفة نور الله تعالى مراقدهم في إعمار هذه الممالك وصيانة أهاليها من المسلمين، وابذالهم الهمم الجليلة في ذلك، وحيث أن هذه الصيانة والحماية هي من لوازم الحقوق الإسلامية المقدسة العايدة إلى حضرة خليفة الإسلام خلّد الله مُلكه إلى يوم القيام، فلا حاجة إلى بيانها وتفصيلها.


ومن المعلوم أن نية الدولة العلية العثمانية هي محصورة في محافظة القوة الإسلامية وشوكتها، إلا أنه منذ عصر من الزمان[2]  بمناسبة ظهور بعض المشاغل، وحدوث الغوايل في غير اطراف، صار ذلك سببًا مانعًا لعدم النظر في هذه الحوالى على الوجه اللايق؛ إذ في تلك الأوقات الاغتشاشات تظهر بالاثناء وقتا بعد وقت في قطعتي اليمن ونجد، ما بين العشاير والعربان الكائنين في البراري والقفار، ولازال ذلك الحال جاريًا إلى أن نبتت بين الملة الإسلامية شجرة الخلاف التي لا ثمرة لها سوى الخسران والاعتساف واستعيذ بالله تعالى، بينما كان اللازم أن المصلحة تطابق حكم الآية الكريمة: إنما المؤمنون أخوة، بحيث أن تكون الملة الإسلامية متحدة ومتفقة كما قال عليه الصلوة والسلام: المؤمنون كالبنيان يشد بعضهم بعضا، وإذا مجردا لأجل الفايدة الدنيوية والمنفعة الشخصية بدأت الناس تضرب وتكسر بعضها بعضها، وإن الذي كان له أدنى قوة واقتدار فإنه لازال يسعى في اتلاف الضعيف واضمحلاله، والحاصل ظهرت في تلك الأوقات حالات غريبة وحركات وحشية من قُبيل بلع القوي للضعيف، وظهرت كذلك الأفعال المكدرة التي تهدم جدار الملة الإسلامية، هذا وإن كانت هذه الأحوال قد بقيت تحت نظر الأغماض والمسامحة مدة من الزمان، إلا أن حامي حمى دين الإسلام المبين بالشوكة القوية وهي الدولة العلية العثمانية، فإنها بموجب الأحكام الشرعية الأحمدية لا ترضى بإضرار الملة المقدسة الإسلامية التي هي وديعة الله تعالى في يد عدالتها وشوكتها، ولا تقبل بوجه من الوجوه اتلاف بعض الناس بعضًا ولا تخريب البعض بيد البعض؛ إذ قد ورد في الحديث الشريف قوله عليه الصلاة والسلام: السلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه كل مظلوم، وقال عليه السلام: كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، ومن الأمر الظاهر لدى نظر أرباب العقل أن الدولة العلية عند حلول الوقت والزمان، لابدلها من التشبث في اصلاح ما فسد، لكن لما كانت نظامات الدولة العلية وقوانينها مستندة إلى أحكام الشريعة المقدسة المحمدية، وأصولها جارية على التأني في إجراء أحكامها وتنفيذ أوامرها بحيث أنها في ابتداء الأمر تسوق الناس إلى طريق الفوز والنجاح، مع ارأتهم الطريق المستقيم الموصل للفلاح وابدأ النصايح، وتعاملهم بالمعاملة اللينة الحسنة؛ عينت مأمورين في كل طرف وباشرت تتشبث بنشر آثار المعدلة السنية والرأفة السلطانية بتلك الواسطة، ولما كانت ثمرة هذه التشبثات هي مجرد النية الخيرية لمحافظة الملة الإسلامية وسعادة حالها؛ بادرت الدولة العلية في إبداء النصايح والمواعظ للخلق من قبيل نصح الوالد المشفق لولده العزيز، وحرضت الناس على السلوك في هذه الجادة القويمة، فأما الذين سمعوا هذه النصايح وصغوا لها بأذن واعية وتلقوها بحسن القبول، فولئك الذين قد مهدوا طريقهم ومشوا فيه إلى أن وصلوا إلى ساحة السلامة الذي هو المقصد الأصلي، وصاروا من الذين لاخوف عليهم ولا هم يحزنون، وأما الذين تباعدوا عن العمران والبلاد وبقوا في الحالة البدوية والجهالة الوحشية فإنهم ما فهموا قدر تلك النعمة ولا علموا حسنها، ولا شكروا المنُعم عليها بل داموا ثابتين على طريقهم الضال الغير مستقيم، وما تأخروا عن اضرار أبناء جنسهم أصلًا، صدق على كل فرد منهم مضمون الآية الكريمة وهي قوله تعالى: إنك لفي ضلالك القديم، وفوق هذا فالبعض من أمثال هكذا أناس مع هذه الأخلاف الذميمة والأفعال الوخيمة، فإنهم والعياذ بالله تعالى قد خالفوا الدولة وتجروا على الحركات الموجبة للحسرة والندامة، إذ هم ما اتبعوا أمر الله في كتابه العزيز وهو قوله جل من قايل: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم، بل عكسوا القضية وأظهروا في العصيان أخبث الطوية، ومع أن رأفة الدولة العلية العثمانية وشفقتها الأبوية لا ترضى بضرر شخص واحد فرضًا عن كثير، إلا أنها اضطرت إلى تأديب هكذا مقولة من الناس بسوق القوة العسكرية والأسلحة النارية، وجعل هكذا أناس قد علاهم الأدبار يولون الأدبار، ومثل ذلك ما جرى بهذه الأيام على أشقياء العشاير الليام من عسير وما حاق بهم من الغضب والدمار والاضمحلال والفرار وكفى بذلك عبرة لكل أحد من أولى الأبصار.


فالآن من هذا القبيل وهذا المثيل سعود الفيصل، فإنه قد أَغرى بعض الجُهّال وأغفلهم وخرج باغيًا على أخيه المنصوب قائممقامًا على بقعة نجد من جانب الدولة العلية، وجاء إلى أطراف الحسا والقطيف وجاس خلال الديار واضر الأهالي الموجودين هناك فهو من هذه الحالة قد حصل على ذنبين كبيرين وجرمين خطيرين: فأما الذنب الأول فهو التجاوز على حقوق حكومة أخيه عبد الله الفيصل المودوعة بعهدته من طرف ذي الشرف الجليل السلطاني.


أما الذنب الثاني فهو تشجيع الملة الإسلامية والتبعة العثمانية على محاربة بعضها بعضًا بحيث أن ذلك التشجيع يكون سببًا في تفريق القوة الإسلامية، كيف لا وقد قال الله تعالى: وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد. ولما كانت هاتان الحركتان القبيحتان مكروهتين ومقدوحتين لدى نظر حضرة إمام المؤمنين وخليفة الموحدين ولا يمكن تجويزهما أصلًا لديه، وأن محافظة حقوق الحكومة المحولة لعهدة عبد الله الفيصل لازمة وأن جميع البلاد والعباد هي وديعة الله تعالى تحت الظل السلطاني الظليل، وأن ترصيص هذه الحالات وإيفائها لازم بتأسيس أساس مأمورية محكمة الأساس، بهذه الدفعة قد تعينت فرقة عسكرية كافية من بغداد تحت إدارة صاحب السعادة الفريق نافذ باشا ركن من أركان الأردوى (الجيش) السادس، وهاهي قد خرجت إلى ساحل القطيف مع هذا المقدار من السفاين النارية؛ فالآن يلزم على كل منكم أن يعلم أن حكومة قطعة نجد بأطرافها وأكنافها لما كانت محولة من طرف حضرة مولانا السلطان إلى عهدة عبد الله الفيصل، فإنها اليوم أيضًا قد أبقيت بعهدته وتقررت، وأن المومى إليه الآن هو قايممقام نجد وراجع إلى ولايت بغداد.


 وأما المقصد من تعيين العساكر السلطانية إنما هو محافظة حقوق الحكومة مع ابدأ آثار الرأفة والمرحمة وإظهار العدالة والشفقة السانحة من طرف مولانا السلطان أدامه الله تعالى على ممر الزمان في حق كل أحد من التبعة كبيرًا كان أو صغيرًا ذكرًا كان أو أنثى غنيًا كان أو فقيرًا، بل في حق كافة الأهالي؛ فنحن الآن والحمد لله تعالى على نعمة كلنا إسلام ومتمسكون بحبل الدين المتين ومفتخرون بهذا الدين المبين الذي هو يخرجنا في الدنيا والآخرة من الظلمات إلى النور، والذي نجاحنا بالفوز مربوط باتباع أحكامه. قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا لله ينصركم ويثبت أقدامكم؛ فها نحن مع تشرفنا بحلية هذا الدين الشريف فكذلك نفتخر باتباعنا لسلطان المسلمين وخليفة المؤمنين الذي قد حاز عنوان الخلافة، والذي هو حامي لقوة الملة الإسلامية، فالآن ظل سلطاننا أدامه الله تعالى هو شامل لكل أحد من أصناف تبعته وكاف لها وقانون عدالته مبني على الأحكام الشرعية، فبعد أن يصير هذا معلومًا لديكم قد اقتضى التفهيم لكم أن سعود الفيصل هو متهم، فإذا أظهر الندامة وأبدى التوبة من أفعاله وجاء إلى الفرقة العسكرية وطلب الدخالة لأجل تحصيل عفو الحضرة السلطانية ومرحمتها السنية يقتضي أن يرسل إلى بغداد؛ لأن الله تعالى قد قال: ومن تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات، وإذا ما طلب الدخالة بل أظهر المخالفة والوقوف على غيه؛ فإن المعاملة الشديدة تجري بحقه مع التأسف تطبيقًا للآية الكريمة: إنما جزاء الذين يسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا إلى آخر الآية الشريفة، وكما قال عز من قال: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا الاتي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، وقد صار مفهومًا من منطوق هذه الآية الكريمة قتال الباغين مثل سعود وطائفة المتفقين معه على هذا البغي إذا لم يرجعوا عن بغيهم من الأمور الواجبة شرعًا، وإذا وجد أحد من الناس معه فإنما ذنوبهم في رقابهم كما قال الله تعالى: من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد.


وأما كافة الناس الموجودين في الحسا والقطيف والواقفين على ساق الخدمة للفرقة العسكرية من الأهالي والعشاير والقبايل، فإنهم مهما كانوا متى مالم يقفوا بصدر العساكر ولابوجه الحكومة فإنهم تحت راية الراي والأمان وكافة أرواحهم وأموالهم وأعراضهم محفوظة بموجب أحكام الشريعة المطهرة، ومصونة من كافة التجاوز والمداخلات، فها نجن ندعو من المولى جل جلاله أن يصون الملة المحمدية الشريفة من أنواع الخطأ والمصائب ويُنيلها أحسن الرغايب آمين بجاه سيد العالمين عليه صلوة الملك المبين.

 

في ٢٩ محرم سنة ١٢٨٨



[1] القطعة يقصد بها البلدة أو المدينة.

[2] يقصد قرن من الزمن.

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق