الاثنين، 11 مايو 2026

تقرير عن الوضع الديني والمذهبي للشام في القرن 19

يحتفظ الأرشيف العثماني ضمن وثائقه العربية برسالة أو تقرير أرسله شخص غير معروف يتحدث فيه عن وضع المسلمين في سواحل الشام، وأنهم قلة وسط طوائف المسيحين والموارنة والدروز، وقد عين الأماكن الجغرافية للطوائف بأن النُصيرية يمتدون من أضنة وطرسوس إلى أنطاكية واللاذقية وطرابلس الشام، وأنهم ينوفون عن مائة ألف باعتقاد فاسد كاعتقاد الإنكليز. كما يعيش الموارنة في جبل الدروز ويمتدون إلى حدود طرابلس الشام وبيروت وصيدا وهم يتبعون فرنسا، وكلهم مسلحين تسليح كامل ومجهزين بالخيول، كما أن الدروز أنفسهم مسلحين ومجهزين، ويعيش في بعلبك والبقاع طائفة من المسيحين والشيعة؛ وأن أهل السُنة الموجودين في الشام الجغرافي كالشامة البيضاء في جلد الثور الأسود، وأنهم لا مسلحين ولا يملكون ما يملكه غيرهم خصوصًا أن تجارهم فقراء مقارنة بتجار المسيحيين، وأن الوضع في بلاد الشام - التي يسميها في الرسالة عربستان- سيء وغالبية المدن غير محصنة باستثناء عكا، كما أن البدو يغيرون على القرى والمدن وعلى الطرق بين حمص وحماة وحلب وخصوصًا عرب قبيلة عنزة، ثم يقترح كاتب الرسالة أن تعمل الدولة على تولية ولاة أقوياء على ولايات الساحل يفتشون بشكل دوري على الأسلحة التي يمتلكها غير المسلمين ويصادرونها، ويمدوا المسلمين بالأسلحة للدفاع عن أنفسهم، وأن يكون الولاة أقوياء وأشداء من أمثال والي سيواس كوسه محمد باشا وأبونبوت محمد أمين باشا والي دياربكر. 

كُتبت هذه الرسالة في مطالع القرن التاسع عشر، وربما في عشرينياته على وجه الخصوص، ورغم أن كاتب الرسالة شخص ليس علاقة بالدولة بل يصف نفسه بمحب الدين والدولة، إلا أنها مهمة في نقطة أن طوائف غير المسلمين في الشام كان يتم تسليحها، وأن تجارهم أثرى مالًا وأفضل حالًا من تجار المسلمين. 

وقد أتت نص الرسالة كالآتي: 

 

«نصيحة جلية أوضحها للغيرة الإسلامية أقدمها لحضرة الدولة العليَّة أيدها الله تعالى وصانها من كل آفة وبلية بحرمة محمد خير البرية صلى الله عليه وسلم آمين، 


المعروض أولًا مخبرًا عن ما هو الواقع في عربستان وساحله وما فيه من الفِرق الضَّالة، فمن ابتداء إيالات آدنة (أضنة) وترسوس (طرسوس) إلى أنطاكية إلى اللادقية إلى طرسوس من إيالت طرابلس الشام، جميع أهالي القضايا والقرايا والجبال طائفة كافرة ملحدة يقال لهم النُصيرية ينوفون عن مائة ألف، اعتقادهم الفاسد دهرية كاعتقاد طائفة الانكليز، ومن حدود طرابلس إلى حدود بيروت إلى حدود صيدا جميع أهالي القضايا والقرايا وأهالي جبل الدروز طائفة كثيرة من النصاري يقال لهم الموارنة يتبعون لفرنسا بالاعتقاد الفاسد، ينوفون عن مائة ألف جميعهم بالأسلحة التامة والاستعداد التام بالخيول المسوّمة، وكذلك طائفة دهرية دروز  ينوفون عن عشرين ألف أيضًا بالأسلحة التامة، ومن حدود صيدا إلى صور إلى عكا إلى حيفا إلى يافا إلى حدود القدس الشريف جميع أهالي القضايا والقرايا مجنسين الاعتقاد الفاسد ما بين رفضة وموارنة فرنسا وروم وكاثوليك وأهالي بعلبك والبقاع من إيالت الشام أيضا مجنسين الاعتقاد الفاسد ما بين رفضة ونصارى ومُوَارِنة فرنسا، وما عدا ذلك يوجد في كل بلدة من شواهد عربستان مقدار الثلث نصارى وموارنة وكاثوليك وروم، فكافة المسلمين الموجودين في سائر عربستان وساحله من حدود ترسيس إلى حدود يافا وبيت المقدس إنما هم بين الكفار  كالشامة البيضاء في جلد البعير الأسود، والمسلمون في ضعف وعدم استعداد بآلات السلاح، و عدم الجبخانات والزخايرـ حتى إذا صار تفتيش عن بارود ورصاص مثلا في أي شاهر  (مدينة) كان من ساحل عربستان فلا يوجد عند المسلمين مقدار مائين اوقة من البارود والرصاص، والاستعداد التام والغنى وتعاطي التجارات والأملاك غالبه بيد الكفرة اللئام، ولا يوجد في سائر عربستان بلدة محصنة بالطوب والقنابر والجبخانات والزخاير سوى عكا، وغيرها من البلاد لا يوجد فيها استعداد بشيء أبدًا، ووالي عكا لا يخرج منها ليحصن غيرها، ولا يمكن معه تحصين جميع ساحل عربستان لأن من حدود غزة ويافا إلى آخر حدود اللادقية ثلاث إيالات مسيرة عشرين قوناق (منزل) كما وقع في زمن الجزار حين أتت الفرنسا وكانت الأنكليز معه بحرًا بالمساعدة، فأخذت الفرنسا يافا وحيفا وبيروت، وما نظر إلا لتحصين عكا، وكانت جميع بلاد عربستان عامرة، والآن الخراب أكثر وقرايا الشام من طرف البادية وقرايا حمص وحماة والمعرة وقرايا حلب وتوابعها قد اخربتهم عرب البادية المسمون بعرب عنزة، وقطعوا طريق الجادة من بغداد إلى حلب ومن حلب إلى حماة، ومن حماة إلى الشام فحيث هذا هو الأمر الواقع وظهور هذه المحنة العامة، فالواجب الفرض العين على الدولة العلية أيّدها الله تعالى أولًا بالنظر إلى جميع السواحل بالمحافظة وتقوية المسلمين بالأسلحة وآلات الحرب، والمصارف لذلك في كل بلدة من رعيتها ويصدر التفتيش والتدقيق بأخذ السلاح من جميع النصارى الرعايا، ومن أعظم الواجب أن يكون لكل إيالة وزير محافظ مناسب لها يمشي على سياق العدل؛ فمثلًا لواء غزة ويافا وأطراف بيت المقدس ينبغي ويلزم ويجب أن يكون لهم محافظًا وزيرًا مقتدرًا غنيًا مستعدًا بالعساكر، مُلايمًا ينسبك مع والي عكا مثل صالح باشا والي المعدن حالا، ويكون لطرابلس واللاذقية والسويدية وجزيرة أرواد محافظًا وزيرًا مقتدرًا غنيًا معاركًا مستعدًا بالعساكر مثل كوسا محمد باشا والي سيواس حالا، ويكون إلى حلب واليًا محافظًا لإيالتها ولانطاكية وزيرًا جسورًا ملايما تنقاد إليه أهالي حلب بالإطاعة ممتزجًا مثل أبو نبوت محمد أمين باشا والي ديابكر والرقة حالا، ويكون إلى آدنه وترسوس واليًا محافظًا لإيالتهما بانياس واسكندرونه وبيلان وزيرًا مهابا مستعدًا بالعساكر تنقاد إليه أهالي الولايات مثل محمد جلال الدين باشا چُبان أوغلى والي مرعش حالًا، والولايات التي بها هؤلاء الوزراء الكرام أي من كان من ضعفاء الوزراء يقوم بها الآن لبُعدهم عن الساحل وعبد الرؤف باشا والي حلب الآن وأمثاله من قدماء الوزراء  يلزم أن يكونوا في الآستانة العليّة لأجل المشاورة والتدبير، ويلزم ويجب أن لكل إيالة من سواحل البحرين وزيرًا مقتدرًا جسورًا مناسبًا لها محافظًا .. متوقعًا على أعتاب الدولة العلية بأن يكون معتبرًا قِرَانًا، فإذا صار الإنعام عليه بمرامه بشرط اشتغاله باضمحلال طائفة الانكليز، كان من قبيل سلط الله الكلب على الخنزير، ودائمًا يكون العمل بمقتضى قول النبي صلى الله عليه وسلم: اعقل وتوكل، وبعد ذلك يخرج اوردي (جيش) همايون المؤيد المنصور  والندافية؟ بالأمر العالي بالعدل والمرحمة وعدم الظلم والملازمة على أداء الصلوات الخمس بأوقاتها، وكثرة الأذان والتهليل والتكبير والصلاة والسلام على البشير النذير، والتحابب بين المسلمين ورفع الغل والحقد من بينهم. قال تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى، وتكون النية في الجهاد خالصة على أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الكافرين هي السفلى، والأمر بكتابة هذه الأربع آيات على كل بيرق من بيارق عساكر الإسلام المنصورة برًا وبحرًا، وهي الآية الأولى من سورة البقرة قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ. والآية الثانية: والآية الثانية من سورة آل عمران قوله تعالى:  لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ، والآية الثالثة من سورة النساء قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ۚ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ۗ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا. والآية الرابعة من سورة المائدة قوله تعالى:  وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. وكل من يُحسن القراءة عن ملاقات الأعداء يأخذ قبضة من تراب ويقرأ عليها قوله تعالى: سيُهزم الجمع ويُولون الدُبر ثلاث مرات، وسورة الفيل ثلاث مرات وثول آجْهَزَط سبع مرات ويرمي التراب في ناحية وجه العدو، ويحصل الظفر والنصر وتتشتت الأعداء بإذن الله تعالى، والله سبحانه يؤيد مولانا السلطان محمود وينصره ويفتح له فتحا مباركًا مبينًا آمين بحرمة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم». 

الداعي 
محب الدين والدولة


 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق